الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومعنى وَخَيْرٌ أَمَلًا أن أمل الآمل في المال والبنين إنما يأمل حصول أمر مشكوك في حصوله ومقصور على مدته . وأما الآمل لثواب الأعمال الصالحة فهو يأمل حصول أمر موعود به من صادق الوعد ، ويأمل شيئا تحصل منه منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة كما قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النحل : 97 ] . فلا جرم كان قوله : وَخَيْرٌ أَمَلًا بالتحقق والعموم تذييلا لما قبله . [ 47 ، 48 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 47 إلى 48 ] وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 ) عطف على جملة وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 45 ] . فلفظ ( يوم ) منصوب بفعل مضمر ، تقديره : اذكر ، كما هو متعارف في أمثاله . فبعد أن بين لهم تعرض ما هم فيه من نعيم إلى الزوال على وجه الموعظة ، أعقبه بالتذكير بما بعد ذلك الزوال بتصوير حال البعث وما يترقبهم فيه من العقاب على كفرهم به ، وذلك مقابلة لضده المذكور في قوله : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ [ الكهف : 46 ] . ويجوز أن يكون الظرف متعلقا بمحذوف غير فعل ( اذكر ) يدل عليه مقام الوعيد مثل : يرون أمرا مفظعا أو عظيما أو نحو ذلك مما تذهب إلى تقديره نفس السامع . ويقدر المحذوف متأخرا عن الظرف وما اتصل به لقصد تهويل اليوم وما فيه . ولا يجوز أن يكون الظرف متعلقا بفعل القول المقدر عند قوله : لَقَدْ جِئْتُمُونا إذ لا يناسب موقع عطف هذه الجملة على التي قبلها ، ولا وجه معه لتقديم الظرف على عامله . وتسيير الجبال : نقلها من مواضعها بزلزال أرضي عظيم ، وهو مثل قوله تعالى : وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ [ التكوير : 3 ] وقوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النّمل : 88 ] . وقيل : أطلق التسيير على تناثر أجزائها . فالمراد : ويوم نسير كل جبل من الجبال ، فيكون كقوله : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [ القارعة : 5 ] وقوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 5 - 6 ] وقوله : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [ النبأ : 20 ] . والسبب واحد ، والكيفيتان متلازمتان ، وهو من أحوال